أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
254
العقد الفريد
مستقرّ التركيب ، ولا يكون مع ذلك فضفاض الجثّة ، متفاوت الأجزاء ، طويل اللحية ، عظيم الهامة ؛ فإنهم زعموا أنّ هذه الصورة لا يليق بصاحبها الذكاء والفطنة . وأنشد سعيد بن حميد في إبراهيم بن العباس . رأيت لهازم الكتّاب خفت * ولهزمتاك شانهما الفدامه « 1 » وكتّاب الملوك لهم بيان * كمثل الدّرّ قد رصفوا نظامه وأنت إذا نطقت كأنّ عيرا * يلوك بما يفوه به لجامه وقال آخر : عليك بكاتب لبق رشيق * زكيّ في شمائله جداره تناجيه بطرفك من بعيد * فيفهم رجع لحظك بالإشاره ونظر أحمد بن الخصيب إلى رجل من الكتاب فدم المنظر « 2 » ، مضطرب الخلق ، طويل العثنون ؛ فقال : لأن يكون هذا فنطاس « 3 » مركب ، أشبه من أن يكون كاتبا . فإذا اجتمعت للكاتب هذه الخلال ، وانتظمت فيه هذه الخصال ، فهو الكاتب البليغ ، والأديب النّحرير ؛ وإن قصرت به آلة من هذه الآلات ، وقعدت به أداة من هذه الأدوات ، فهو منقوص الجمال ، منكسف الحس ، منحوس النصيب . ما ينبغي للكاتب أن يأخذ به نفسه قال إبراهيم الشيباني : أوّل ذلك حسن الخط ، الذي هو لسان اليد ، وبهجة الضمير ، وسفير العقول ، ووحي الفكرة ، وسلاح المعرفة ، وأنس الإخوان عند الفرقة ، ومحادثتهم على بعد المسافة ، ومستودع السر ، وديوان الأمور .
--> ( 1 ) الفدامة : العي عند الكلام . ( 2 ) فدم المنظر : أي غليظ سمين . ( 3 ) فنطاس مركب : حوض لادخار الماء العذب .